سيد محمد طنطاوي

169

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك : * ( ارْكُضْ ) * أو على * ( وَهَبْنا ) * بتقدير : وقلنا له . والضغث في اللغة : القبضة من الحشيش اختلط فيها الرطب باليابس . وقيل : هي قبضة من عيدان مختلفة يجمعها أصل واحد . والحنث : يطلق على الإثم وعلى الخلف في اليمين . والآية الكريمة تفيد أن أيوب - عليه السلام - قد حلف أن يضرب شيئا وأن عدم الضرب يؤدى إلى حنثه في يمينه ، أي : إلى عدم وفائه فيما حلف عليه ، فنهاه اللَّه - تعالى - عن الحنث في يمينه ، وأوجد له المخرج الذي يترتب عليه البر في يمينه دون أن يتأذى المضروب بأي أذى يؤلمه . وقد ذكروا فيمن وقع عليه الضرب وسبب هذا الضرب ، روايات لعل أقربها إلى الصواب ، أن أيوب أرسل امرأته في حاجة له فأبطأت عليه ، فأقسم أنه إذا برئ من مرضه ليضربنها مائة ضربة ، وبعد شفائه رخص له ربه أن يأخذ حزمة صغيرة - وهي المعبر عنها بالضغث - وبها مائة عود ، ثم يضرب بها مرة واحدة ، وبذلك يكون قد جمع بين الوفاء بيمينه ، وبين الرحمة بزوجته التي كانت تحسن خدمته خلال مرضه ، وتقوم بواجبها نحوه خير قيام . والمعنى : وهبنا له بفضلنا ورحمتنا أهله ومثلهم معهم ، وقلنا له بعد شفائه خذ بيدك حزمة صغيرة من الحشيش فيها مائة عود ، فاضرب بها من حلفت أن تضربه مائة ضربة ، وبذلك تكون غير حانث في يمينك . هذا وقد تكلم العلماء عن هذه الرخصة . أهي خاصة بأيوب ، أم هي عامة للناس ؟ . فقال بعضهم : إذا حلف الشخص أن يضرب فلانا مائة جلدة ، أو أن يضربه ضربا غير شديد ، فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور الذي جاء في الآية لأن شرع من قبلنا شرع لنا . وقال آخرون : هذه الرخصة خاصة بأيوب - عليه السلام - ولا تنسحب إلى غيره ، لأن الخطاب إليه وحده . ولأن اللَّه - تعالى - لم يبين لنا في الآية كيفية اليمين ، ولا من يقع عليه الضرب « 1 » . ثم بين - سبحانه - أنه جعل لعبده أيوب هذا المخرج لصبره وكثرة رجوعه إلى ما يرضيه - تعالى - فقال : * ( إِنَّا وَجَدْناه صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّه أَوَّابٌ ) * .

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 15 ص 212 . وتفسير الآلوسي ج 23 ص 208 .